الأحد 21 من ربيع الآخر 1426 هـ - 29 من مايو 2005 م
مبادرة مبارك..والجمهورية الرابعة
بقلم الدكتور : إسماعيل عبدالفتاح عبدالكافي
أستاذ الإعلام التربوي
أثارت مبادرة السيد الرئيس محمد حسني مبارك التاريخية - بتعديل المادة 76 من الدستور المصري. ليكون رئيس الجمهورية في مصر العربية بالانتخاب الحر المباشر بين أكثر من مرشح بدلاً من الاستفتاء علي رئيس الجمهورية - التساؤلات حول المستقبل السياسي لجمهورية مصر العربية. وأثارت ردود فعل عالمية تعكس مباركة هذه الخطوة التاريخية بصفتها أحد أهم الطرق لتحقيق الديمقراطية الحقيقية في مصر.
ولما كانت هذه خطوة تاريخية أقدم عليها الرئيس محمد حسني مبارك. ليعلن للعالم أجمع. أن مصر هي واحة للديمقراطية الحقة. حتي في اختيار حاكمها. تسير علي أساس ديمقراطي حقيقي بالاختيار الحر المباشر بين أكثر من مرشح. فكانت هذه الخطوة بمثابة إعلان حقيقي بقيام الجمهورية الرابعة في مصر. نعم الجمهورية التي تحقق الديمقراطية الحقيقية الشاملة في اختيار الحاكم ذاته. حيث مرت مصر في نظامها الجمهوري من قبل في ثلاث مراحل هامة أو من خلال ثلاثة منعطفات خطيرة في مسيرتها الجمهورية الشعبية السياسية وتمثل ذلك فيما يلي:
الجمهورية المصرية الأولي: كانت عند إعلان قيام النظام الجمهوري لأول مرة في مصر. وفي المنطقة كلها. وتم ذلك في 18 يونيو من عام 1953. بعد أقل من 11 شهراً من قيام ثورة يوليو عام 1952. وكان قيام الجمهورية في مصر وإلغاء الملكية والنظام الملكي حدثاً فريداً في المنطقة. أتاح بروز الوجه الشعبي الجماهيري في الحياة السياسية في مصر. وكان النظام الجمهوري ثورة أخري للثورة لأن مصر كلها تحررت من حكم أسرة محمد علي ومن السيطرة الانجليزية والتركية ومن أي سيطرة أجنبية. وأصبح الحكم بيد أبنائها المصريين لأول مرة في التاريخ.
الجمهورية المصرية الثانية: التي جاءت نتيجة تسارع الأحداث الداخلية. والخارجية في مصر بسرعة مذهلة. فنجحت مصر بالاستبسال والمقاومة والسياسة في النصر في العدوان الثلاثي عام 1956م. ونجحت في تحقيق الوحدة مع سوريا عام 1959م قبل الانفصال اللعين. ونجحت مصر في تأميم قناة السويس. ونجحت في قطع جذور الاقطاع الزراعي بنجاح مسيرة الاصلاح الزراعي. ونجحت في اقتلاع بذور الفساد السياسي المتمثل في تعمق المذهبية داخل الأحزاب وتغلغل الفساد في جميع جوانبها. فأدي ذلك إلي قيام الجمهورية الثانية بسرعة بالغة. وتمثلت في عامي 1961. 1962م. باعلان الاشتراكية كمنهج حياة اجتماعي واقتصادي وسياسي في مصر وإعلان الميثاق. وبدأ بروز الدور القائد في المنطقة العربية وعلي الساحة السياسية العالمية. فبدأت الجمهورية المصرية الثانية بداية قوية في المحافل الخارجية وفي المجال الداخلي. مستغلة الانجازات الهائلة في الجمهورية الأولي.
الجمهورية المصرية الثالثة: وبدأت هذه الجمهورية بحنكة بالغة من الرئيس أنور السادات. حيث بدأ عهدة بمحاولة تثبيت دعائم النظام الجمهوري وترسيخ القانون. فكان إعلان الدستور المصري "الدائم" في مايو 1971م. والذي حدد هوية مصر وغير اسمها إلي جمهورية مصر العربية. وثبت علمها وشعارها "بعد تغيير متعدد". وبدأ الاستقرار السياسي للاستعداد للاستقلال والتحرير الكامل للأرض المصرية. وبالفعل تحقق ذلك من خلال الانتصار الهائل في أكتوبر 1973م. واستمرت معركة استرداد الأرض المصرية حتي انتهت باسترداد كامل لها بعد معركة طابا القانونية في عام 1984م. وبدأت مسيرة الاصلاح الاقتصادي خلال هذه الفترة بالانفتاح الاقتصادي عام 1974م وما تلاه من اجراءات لجذب الاستثمارات الأجنبية لمصر. وبدأت مرحلة الانفتاح السياسي بالمنابر عام 1977م ثم عودة الأحزاب السياسية عام 1978م. والتعديلات الدستورية عام 1980م. وما تلاها من معركة استرداد الأرض ومرحلة اقامة البنية الأساسية للمرافق في مصر بعد تولي الرئيس مبارك زمام السلطة في عام 1981م. واستمرت هذه الجمهورية بين التهدئة والتنفيذ حتي الآن. وأهم سمات تلك الفترة الاستقرار الدستوري ونمو الأحزاب واعادة هيكلة الاقتصاد المصري في مرحلة الاشتراكية الديمقراطية وبدأ بيع أو التخلص من أعباء القطاع العام والتدفق الشديد للاستثمارات الاقتصادية. وغيرها من الوجوه المتميزة لتلك الجمهورية المصرية الثالثة..
الجمهورية الديمقراطية
أما: الجمهورية المصرية الرابعة. فبدأها الرئيس مبارك. بالدعوة لبدء ثورة اصلاح دستورية واقتصادية واجتماعية في بداية عام 2005. عندما أعلن في محافظة المنوفية يوم 26 فبراير من هذا العام عن تعديل الدستور المصري ليصبح اختيار رئيس جمهورية مصر العربية بالانتخاب الحر المباشر للجماهير لاختيار الرئيس من بين أكثر من مرشح عن طريق صناديق الاقتراع. وهذه الخطوة التاريخية المباركة. أدت لبدء اجراءات وخطوات قيام الجمهورية الرابعة في مصر. والتي تقوم دعائمها علي منع السلطة المطلقة وحسر نفوذها في مصر. وقيام الجماهير باختيار رئيسها من بين المرشحين لهذا المنصب بحرية كاملة وبسرية بالغة.
ولعل اختيار أعلي منصب. ونحن في مصر نظامنا رئاسي وليس برلمانيا. بالانتخاب الحر بين الجماهير يؤكد أن الرئيس مبارك أراد أن يبدأ هذا العصر الجديد في تاريخ مصر برئيس يفوضه الشعب في القيام ببناء دولة جديدة بدعائم قوية تغمرها الديمقراطية وتعلوها الحريات المختلفة ويطوف بها الاقتصاد الحر الموجه لصالح المجتمع وأهدافه التنموية. والحياة الاجتماعية الكريمة للجميع وبطريق مؤداه اطلاق الاصلاح السياسي الحقيقي الذي ينتشل الجماهير من سلبياتها. وأحسب ان الرئيس مبارك عندما بدأ الخطوة الأهم. أنه سيتخذ من تفويض الشعب له في الفترة القادمة بانتخاب سيادته رئيساً لمصر. انه تفويض كامل وشامل للاصلاح الدستوري الشامل لتغيير شكل الحياة علي أرض مصر ودعم مسيرة نموها وتقدمها في كافة المجالات. فهذه الفترة الرئاسية لن تكون كسابقاتها من فترات. بل ستكون فترة تلألؤ وازدهار في كافة المجالات.
ونلاحظ أن إعلان الجمهورية الثالثة في فرنسا علي سبيل المثال قد استغرق نحو 160 سنة من قيام الثورة الفرنسية. نظراً للمجتمع الاستاتيكي الفرنسي. القائم علي الاقطاع والرأسمالية. بينما استغرقت عملية قيام الجمهورية الرابعة في مصر 50 عاماً فقط نظراً لديناميكية وسرعة تغير المجمع المصري. وهذه نقطة هامة. لأنها نقطة تغير وانطلاق. تحسب للشعب المصري ولقياداته الواعية علي مر العصور الجمهورية.