كاد "الفكهاني" أن يفلق رأسي بكفة الميزان لأني استنكرت أن يكون التفاح المصري بثمانية جنيهات.. نعم التفاح المصري الذي كلنا نعرف أصله وفصله.. وأنه ينمو أحيانا بجوار أشجار الجميز والنبق والتوت.. وهو تفاح ليس أحمر الخدين.. وملمسه ليس ناعما كوجنة العذراء.
وكثيرون منا يأكلون التفاح المصري من قبيل إرضاء تطلعات طبقية مقهورة.. لأن به اسم التفاح وأحيانا يخدع أطفالنا الذين لم يسعدهم الحظ يوما بتذوق التفاح الأمريكاني!.
وللأسف لم يتحالف ضدي "الفكهاني" وحده بل انضم إليه أحد البكوات الذي كان ينتقي بأنامله الرقيقة سلة من "التفاح الأمريكاني".. وقال مخاطبا إياي: يا سيد.. ألا تقرأ الصحف وما تكتبه عن آليات السوق.. وتصريحات المسئولين بأنه لا تدخل بتاتا في الأسعار.. وبالطبع الصحف صادقة تماما في هذا الموضوع بالذات.
وقلت متعابطا: هل هذا الكلام في الصحف فعلا؟
قال: نعم.. حرية السوق مكفولة تماما.. يعني بالبلدي إللي عاجبه ياكل واللي مش عاجبه بلاش.
قلت: معني الكلام.. من لا يعجبه الحال "ينفلق".
قال البك: يا سيد الصحافة مهذبة وهي تقول ذلك بكلمات أخري لا تسبب حرجا للمسئولين.
وأحسست أني "موظف" لا حول له ولا قوة.. وغادرت المكان وأنا أنظر إلي التفاح المصري.. تفاح بلدي وأنا مهزوم وخائف.. خائف من الفكهاني الذي يستند في استعداده لضربي علي شرعية جديدة اسمها "آليات السوق".. وخائف من "البك" الذي استخف بي لأني لا أقرأ تصريحات المسئولين الكبار عن حرية أسعار التفاح!.
ومن يدري أن يكون هذا "البك" هو أحد المستوردين.. وأنه يشعر بالارتياح الكبير لارتفاع أسعار كل ما هو مصري وبلدي.. ليكون لدي المستوردين المبررات الكافية لرفع أسعار السلع المستوردة بأكثر مما تستحق بالرغم من أن معظمها من الدرجة الثالثة.. وخير شاهد علي ذلك السلع الصينية والتايوانية!.
***
ومن الظواهر الغريبة في بلدنا.. أن أسعار الخضراوات والفاكهة المصرية في المعادي أرخص من مثيلاتها في أحياء مصر الجديدة ومدينة نصر والدقي علي سبيل المثال لأن في المعادي يسكن أجانب كثيرون وأية شكوي أجنبية تتعلق بالمغالاة في الأسعار يتقبلها المسئولون علي العين والرأس.
وماذا يفعل المستهلك المصري إذا كان لا يستطيع شراء التفاح المصري ولا يملك أن يتذوق التفاح الأمريكي.. وليت الأمر يقتصر علي التفاح فهو حتي الآن لم يصبح مطلبا شعبيا ملحا.. ولكنه نموذج لقوة البائع وضعف المشتري.
وربما لا يريد كثيرون أن يعلموا أن الرقابة علي الأسعار ووضع ضوابط لها أصبح من الأمور التي تدخل في إطار حماية حقوق الإنسان.. وهي حماية للمستهلك حتي لا يصبح فريسة لجشع بعض التجار.. وحماية للبائع لكي يحقق ربحا عاقلا.. أو ربحا إنسانيا.
وهذا يسوقنا إلي الحديث عن تقاليد الرأسمالية الوطنية التي ليست هي رأسمالية "الملائكة" الذين يرفضون الربح ولكنها رأسمالية ترعي حقوق الوطن من خلال تقديرها لظروف المستهلكين والضغوط المتعددة التي تقع عليهم.
وبالرغم مما قيل إن الرأسمالية لا وطن لها.. إلا أن الرأسمالية الوطنية المصرية وقفت في جبهة القوة الوطنية ضد الاستعمار البريطاني.. وناضلت من أجل الاستقلال وأسهمت في بناء صناعة مصرية حديثة وسعت إلي تحرير أسواق المال المصرية من السيطرة الأجنبية.
***
وسؤال مهم..
هل لدينا الآن مثل هذه الرأسمالية الوطنية؟ بالطبع إنها موجودة.. وجانب كبير من قوتها نراه في مشروعات العاشر من رمضان وفي برج العرب وفي السادس من أكتوبر إلي جانب المراكز التقليدية والتاريخية للرأسمالية الوطنية المصري في شبرا الخيمة والمحلة الكبري وكفر الدوار.
ونأمل أن تستوعب الرأسمالية المصرية الوطنية دورها في إحداث قدر من التوازن النسبي في علاقات الإنتاج بالمجتمع المصري حتي لو كانت تعاني ضغوطا من قبل التوكيلات الأجنبية الشرهة أو لا تملك أدوات المنافسة العقلية أمام الاستثمارات الكبري وخاصة الأجنبية منها.
***
لا نريد أن تغلب علي الرأسمالية المصرية الوطنية التقاليد المستحدثة للرأسمالية العشوائية والتي أقحمت نفسها في السوق من خلال غسيل الأموال.. مثل الانتقال بفلوس المخدرات إلي اللعب في الاستيراد والتصدير والمضاربات غير المشروعة والتحاليل من خلال التوكيلات الصورية إلي خلق أجواء ضارة بالاقتصاد الوطني من خلال انفتاح عشوائي أو انفتاح مدبر أو انفتاح بالصدفة.
وهل نجد بين رجال الاقتصاد المحترمين من يفسر ما يجري من ارتفاع متزايد في الأسعار وفي سلع محلية خاماتها مصرية مائة في المائة.. وبنفس الأيدي العاملة بأجورها المعتادة بل وبعدد أقل من القوي العاملة بعد تطبيق نظام المعاش المبكر؟.
نحن نأمل أن يطول الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي هذه الظواهر الغريبة عن النظم الاقتصادية السائدة.. وهنا نتوقف أمام هذه الحالة وهي أن الأسعار ترتفع بالرغم من تحسن سعر الجنيه المصري أمام الدولار وبعد تخفيض الجمارك بنسبة كبيرة علي كثير من السلع الوطنية وبعد تسهيلات ائتمانية ومصرفية عديدة قدمتها الحكومة لرجال الأعمال.
ولدينا ظاهرة أخري عجيبة.. فقد عودنا السوق من قبل أن نشهد انخفاضا ملحوظا في أسعار بعض السلع الغذائية في فترة بعد الظهر عن أسعارها في الصباح.. وهذا لا يحدث الآن حيث يفضل المسيطرون علي تجارة هذه السلع الغذائية أن يصيبها العطب ولا تنخفض أسعارها ويفضلون إلقاءها تحت أقدام الخنازير أو بيعها لمصانع السلع الفاسدة.. المهم ألا تصل إلي المستهلك بسعر أقل حتي لا يصيبه الطمع في الحصول علي أسعار عادلة! إنهم يفعلون ما تفعله أمريكا من إلقاء فائض محصول القمح والبن واللبن في المحيطات حتي لا تنخفض الأسعار العالمية لهذه السلع ولا يستفيد منها فقراء العالم!.
***
عموما لا يجوز أن نفرط في تدليل المستهلكين أو أن نسمع كثيرا إلي شكاواهم المتلاحقة من عدم وصول اللحوم الأثيوبية إليهم.. والزعم بأنها تصل "مشفية" مباشرة إلي الفنادق الراقية.
فها هي قريحة المبدعين قد تفتقت عن فكرة عبقرية لسد أفواه الناقمين علي الأثرياء.. وتتلخص الفكرة في جمع هذه اللحوم الأثيوبية وربما غيرها من بقايا الأطباق الشهية التي تجيد الفنادق الراقية تقديمها. وإرسالها معلبة أو ملفوفة في السوليفان إلي بيوت المواطنين الطيبين وهل هناك خدمة أفضل من ذلك؟!.
|