بعد أربعة أعوام من الانتفاضة الثانية ومن الدماء والاغتيالات المتبادلة انتخب الفلسطينيون الرجل الذي ينادي بالسلام ونحن في مصر بعد أربع حروب متوالية نزفنا فيها دماءنا وأموالنا ووقعنا في أسر الديون الخارجية والداخلية أيضاً وقبلنا المعونة الاقتصادية من القريب والبعيد وسبقتنا البلاد الشرقية التي كانت مصر متقدمة عليها بمراحل ومراحل وبعد كل هذا يقف محام مصري شاب في نقابة المحامين بالقاهرة يصرخ لإذاعة لندن بأنه لا يرضي عن الانتفاضة بديلاً. وحين تقول له السيدة المذيعة إن الفلسطينيين انتخبوا الرجل الذي يميل للسلام وينادي به وهو يبذل الآن جهوده لتحقيق مطالب شعبه فليأخذ فرصته.. يصر صاحبنا علي أنه لابد من المقاومة وأن السلام غير ممكن!! هل هذا معقول؟ مصر محتاجة إلي أن نعوضها ما فاتها بالعلم والعمل. مصر التي نعيش علي خمسة أو ستة في المائة من أرضها وهو وضع ننفرد به دون كل بلاد وشعوب العالم من حقها ومن حق أبنائها الذين يعاني تسعون في المائة منهم قسوة الحياة ويكتوون كما نري بنار الغلاء. مصر هذه محتاجة إلي أبناء يعملون لتحسين مستوي الحياة فيها بعد كل هذه الحروب والكروب والمآسي وكل هذا الجري وراء الشعارات الطنانة البراقة وحلم الدولة الواحدة الممتدة من المحيط إلي الخليج. طيب نعيش حتي علي ربع مساحة مصر ونعمِّر حتي ربعها ثم نطالب بدولة كبري لها هذا الامتداد.. طيب أولاً نسترد عافيتنا الاقتصادية ولا نمد يدنا إلي القريب والبعيد ثم نطالب ونطالب كما نشاء نصلح بيتنا المصري أولاً.. نقضي علي الأمية. هذا الداء والعار الذي ما زال يهد كيان الأمة المصرية.. هذا المحامي الشاب الذي يطالب باستمرار الانتفاضة الفلسطينية رافضاً السلام ومنهج السلام الذي ارتضاه عملياً الفلسطينيون أليس من الأفضل له ولمصر أن يتطوع في برنامج محو الأمية في بلده بدلاً من هذا الكلام الذي هو مشغول به ليل نهار.. يا عزيزي دع الفلسطينيين يدبرون أمورهم ويجربون طريق السلام بدلاً من طريق الحرب والضرب والكرب وحمل النعوش علي الأكتاف وسط هتافات الانتقام في هذه الدورة التي لا نهاية لها وتفرغ سيادتك لرفع شأن بلدك مصر الذي تخلَّف عن غيره حتي من بلاد الشرق.. علي الأقل نجعل أنفسنا في غني عن المعونات الخارجية بعد أن كنا نحن أنفسنا نمد يد العون لغيرنا في سنوات سابقة.
المشكلة ليست هذا الشاب أو غيره من أبناء مصر بل مشكلة التعليم والإعلام في مصر وضرورة مشاركتهما في تغيير المفاهيم الجامدة حتي نحصل علي أناس يفكرون تفكيراً سليماً مستقيماً.. ناس عندهم ولاء لبلدهم لوطنهم وغيرة عليه وعلي مصالحه ورفعة شأن التعليم والإعلام لا يقولون إن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس وليد نصف قرن أو حتي قرن أو قرنين بل هو ممتد منذ ثلاثة آلاف عام. هذا الصراع ممتد علي طول هذه الأحقاب. ولكن أين رجال التعليم والإعلام الذين يقرءون التاريخ. فلنتفرغ لمحو الأمية الهجائية في مصر ثم لمحو الأمية الثقافية التي هي أكثر خطورة من الأمية الهجائية.. وها نحن في جامعات مصر نستأنف العمل في برنامج محو الأمية فليساعدنا هذا المحامي الشاب المتحمس في هذا العمل الوطني الجليل المفيد وينشغل أولاً ببلده هو قبل أن ينشغل بغيره.
|